حرية الراي واشكالياته!!

img

كريم البيضاني
عندما يتحول الفرد من التفكير الجمعي الببغائي الى النفكير المستقل النابع عن قناعة وثقافة ودراية وفهم صحيح للامور..بدون املاءات عليه ..يصبح في هذه الحالة في الواجهة الامامية من المجتمع..حيث سيتحمل مسؤولية كل كلام ينطقه..وكل تصرف يقوم به.
وهناك مفاهيم نتجت عن التفكير الجمعي واصبحت خطرا على الفرد ..حتى اصبح من التهور والمجازفة ان تنفرد برايك المستقل في ظل مجتمع انغرست فيه المفاهيم والمعقدات حتى اختلطت واصبحت حالة صلبة لايمكن ان تجد اية مرونة فيها لغرض دفع المجتمع الى الامام …
وبما ان الحدود الجغرافية هي الوحيدة التي لازالت تقيد حركة الفرد في هذا العالم..فالحدود الثقافية والاخلاقية وحرية التعبير اصبحت شبه زائلة في ظل التكنلوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي بين الشعوب المختلفة…
اكتب هذه الاسطر وانا قد تابعت الراي الذي طرحه بعض القائمين على الفتاوى والاوقاف الدينية في العراق…
حيث صرح مفتي العراق السني ورئيس الوقف الشيعي برايهم ..الشرعي..بمسالة حساسة جدا وتدخل في حيز التفكير الجمعي للبعض في المجتمع العراقي..وهي جواز الاحتفال براس السنة الميلادية وارتباطها بالمعتقد المسيحي..
فلو رجعنا الى اصول الاديان وخاصة الاديان الفلسفية الارضية كالبوذية مثلاوالسماوية اليهودية والمسيحية والاسلام منها..نجد انها بنيت على اساس حرية التعبير والراي ومن ثم تلقفها المجتمع وصاغها بحالتها الصلبة حتى تجمدت وتحجرت واصبحت عبارة عن عادات وتقاليد ومظاهر شعبية الخ…
فمن طارد النبي ابراهيم ع وحاول قتله وحرقه وملاحقته..هم اصحاب التفكير الجمعي في المجتمع وليس السلطة..فالسلطة لو انها وجدت في دعوات النبي ابراهيم وسيلة لتعزيز سلطتها لسارعت بحمايته ونشر افكاره في المجتمع الذي تحكمه..وهكذا ستصبح هذه الافكار مصادرة من ابراهيم وتكون ملك الحكم والدولة…وسيكون هو مجرد رمز وذكرى تحتفل فيها الناس للتسلية والفرح وغيرها من النوازع الانسانية البايلوجية للانسان…
فقد اصبحت دعوات النبي ابراهيم عائلية بالاساس واصبح اولاده واحفاده انبياء ينطقون باسم الخالق ويوحى لهم ولايمكن الجدال في مايقولون ويدعون ويعتقدون…فقد كان فردا صاحب راي في مضامينه واهدافه يسبق عقلية وثقافة المجتمعات انذاك بعصور ..
ولو رجعنا الى اصل الحكاية سنجد ان فروع العائلة الابراهيمية تجزأت وتشضت واندمجت في متاهات المجتمعات التي سكن فيها او رحل اليها ابناء واحفاد النبي ابراهيم..
فالراي والراي الاخر موجود منذ القدم ويبدا فرديا ثم جماعيا ثم سلطويا…وهكذا تلاقحت اقكار كارل ماركس الاقتصادية مع بقية الفلاسفة وجمعها البعض وصاغها بهيئة حركة او تيار لتاسيس نظام بديل عن النظام الراسمالي السائد منذ تكون الحضارات والمجتمعات..الا هو النظام الاشتراكي والذي اصبح قادته حكام فيما بعد..
مقصد الكلام هنا ان حرية التعبير ليست مطلقة ابدا وكما تمليها الفطرة الانسانية..بل تجد محددات معقدة لها نشأت مع تكوين المجتمعات البشرية…
فلو رحعنا الى الزمن الراهن وقارنا بين هذا وذاك..سنجد ان بعض المجتمعات لازالت تراوح مكانها وهذا ناتج ليس عن غباء او ضعف عقلي او نضوب حضاري..بل بفعل العوامل البيئية الانسانية..من حروب وقحط وكوارث وثورات براكين .. مثلا ..كان التاريخ يذكر ان قوم عاقبهم الله وانزل عليهم لعنته لانهم امنوا بامور ومعتقدات تتعارض مع مايؤمن به القوم الذين حلوا مكانهم …والحقيقة هي ان انذثار القوم الهالكين بسبب ثورة بركان او هزة ارضية او تسونامي بحري او جفاف او سيول بعد امطار جارفة…الخ..ولا ذنب للخالق في امرهم ومعتقداتهم…
وعندما صرح المفتي بما يعتقده هو وماتعلمه من دينه الذي يؤمن به..اصبح عدوا للجهة الاخرى التي قصدها في كلامه..ولم يكن هذا المفتي يقصد حالة معينة بل ظاهرة تقع خلف حرية الراي والطقوس الاحتفالية المصاحبة لها…
وعندما ننتقد ماقاله المفتي لانه دخل في المحظور المؤذي حاليا..اصبحنا ضد حرية الراي بالرغم من ان نقدنا واعتراضنا على قول المفتي بدعوى اننا اكثر تطورا في فهمنا للحياة من المفتي نفسه..ولكن الحقيقة هي اننا لازلنا نراوح مكاننا في هذا الجانب..فالمفتي عبر عن رايه بحرية في انه شخص يؤمن بالفكر الجمعي وله اتباع في هذا الفكر ويريد ايصال رسالة لهم بان منافسيهم في المعتقدات يريدون هكذا منكم…وهذا طبعا ينطبق على الاسرائيليين والمسلمين والمسيحيين …
فمعتقد الثالوث عند الطوائف المسيحية المختلفة ..لم يدعواليه السيد المسيح بل جاء كمعتقد بعد ذلك..والدليل ان القران ذكر واكد ان المسيح قد طورد ولوحق وتم صلبه بالطريقة التي كانت سائدة للاعدام عند الرومان وهي تثبيت المعاقب بمسامير على عمود خشبي يشبه شكل الصليب..ولو عوقب المسيح ع الان لتم وضعه على كرسي كهربائي او رمية برصاصة بندقية او قطع راسه بالسيف كما تفعل الحكومات والدول والمنظمات المتطرفة حاليا…
ولكن في معتقد المفتي نفسه ايضا توجد امور لم ينطق بها والوحي الالاهي اومحمد ص بل ذكرت عن اشخاص ادعوا انهم سمعوا ذلك..واصبحت الامور بعدها كمسلمات مقدسة دعمها الحاكم ليعزز من سلطته ونفوذه ..تماما كما فعل الرومان ومن تلاهم من الذين وجدوا في الدعوة المسيحية وسبلة لحكم مجتمعاتهم..وكذلك فعل المغول وقبلهم العرب…حتى وصل الامر الى الاسرائيليين حاليا..حيث اصبحت دعوة النبي يعقوب حفيد ابراهيم ..عبارة عن دولة وسلطة وسلاح وطقوس وتاريخ لاعلاقة له بما عانى منه يعقوب اوعبدالله او اسرائيل باللغة العبرية..فاصبح لقبه عبد الله اسم لدولة اسمها اسرائيل..واصبح كل من ينتقدها او لايؤمن بوجودها عدوا ليعقوب واولاده واحفاده..
فمن اعترض على كلام المفتي كان ذلك ليس بدافع الحرص على دعوة نبي الله عيسى ع ..بل ان هذا الكلام دنيوي سلطوي يهدد سلامة وامن المجموعة العرقية التي تؤمن بالثالوث..لان المفتي ومن اعترض على كلامه لبسوا هم من وضعوا واخترعوا او صنعوا هذه الامور السماوية..وهي بالاصل مختلف عليها بين اتباع المعتقد الواحد..ومن الجانبين
وقد لايعرف البعض من المسلمين ان..الاسرائيليين لايؤمنون بالمسيح كنبي واعترضوا على وجود دعوته بينهم واغلب الكتب المسيحية تؤكد على مساهمتهم في تسليمه الى السلطة الرومانية وصلبه..الى ان ظهرت امور ومستجدات حاليا منعت تداول هذه الادعاءات حفاضا على التعايش السلمي بين اصحاب الراي والمعتقدات..
في الاسلام وبقية الاديان لازالت هذه الامور متوارثة وفعالة..مع الاسف..
فادعاء ان السيد المسيج ع هو ابن الله وانه الرب في هيئة بشر..تصطدم بالايات التي يرددها المسلمين في صلواتهم اليومية..وهي قل هو الله احد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد..ويعني ذلك ان الله ليس لديه ولد..ومن بتخذ من الدين الاسلامي دينا عليه ان يؤمن بذلك…وسورة الفاتحة ايضا والتي يرددها المسلمين في كل صلواتهم..هي ايضا تصب في هذا المنحى..فاهدنا السراط المستقيم يعني الفكر الغير منحرف وليس سراط المغضوب عليهم وهم اليهود ولا الضالين وهم النصارى…
ونفس هذه الامور موجودة في الاناجيل عن اليهود ولكن التوراة التي تم كتابتها في بابل سبقت ظهور المسيحية ولايوجد فيها شيئ عن تكفير المسيحيين بل هي دعوات من احبار اليهود جاءت بعد ذلك وانكرت المسيحية والاسلام…
اذا…علينا ان نتخذ طريقا اخر يحقق للجميع رغباتهم وحرية معتقداتهم..وهو طريق التعايش السلمي بين الناس ومعتقداتهم..وعدم الغاء الاخر وتكفيره او التشكيك بعقيدته..بل نرفع شعار لكم دينكم ولي ديني..ويكون الحكم هو القانون الوضعي الانساني الذي ينظم هذه الامور ويضمن للفرد حرية التعبير الايجابي..

5778total visits,1visits today

الكاتب shababek

shababek

مواضيع متعلقة

اترك رداً