الحقيقة المُرَّة التي لا يراها الراغبون بالانفصال.. نيويورك تايمز: لهذه الأسباب سيجدون أنفسهم أمام معضلةٍ كبرى

img

هاف بوست عربي

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، الجمعة 29 سبتمبر/أيلول مقالاً لكل من ماكس فيشر الصحفي الأميركي والمهتم بالشؤون الدولية، وأماندا تاوب وهي محامية حقوقية سابقة، وتكتب في الشؤون الدولية وحقوق الإنسان، وتحدث المقال عما وصفها بـ”الحقيقة المرة” للجماعات الراغبة بالانفصال وتشكيل دولة خاصة بها.

ويطرح المقال تساؤلاً “متى يتعيَّن على حركةٍ انفصالية أن تُشكِّل دولتها؟” لعقودٍ، ويشير إلى أنه كان من المفترض أن تتوفر مجموعة من القواعد غير المُعلَنة لكن المعروفة جيداً، كي تجيب على هذا السؤال.

ويشير المقال إلى أن هذه القواعد تتضمن عدداً من المتناقضات، وبالتالي تخلق تحديات تجعل من انفصال أية فئة أمراً في غاية الصعوبة، كما يحدث حالياً مع الكاتالونيين في إسبانيا، والأكراد في إقليم شمال العراق الراغبين في الانفصال وإقامة دولتهم الخاصة.

ويلفت كاتبا المقال إلى أن “الحقيقة المرة” للراغبين في الانفصال، تأتي من كونه لا يوجد في القانون الدولي وغالباً القانون الداخلي حقٌ قانوني للانفصال.

ويشيران أيضاً إلى ضرورة رضى القوى الكبرى وعلى الأقل الولايات المتحدة عن الانفصال، “من أجل إجبار أو إكراه أو رشوة الحكومة التي تحاولون الانفصال عنها منذ فترة طويلة. وإذا لم يكن الانفصال متبادلاً، فمن المستحيل تقريباً أن يتم الحل بسلام، ولذا من الأفضل أن يتظاهر الطرفان بأنَّهما يرغبان به”.

وسيكون الراغبون في الانفصال أمام تحدٍ أكبر إذا ما قرروا الانفصال عن حاكم أو حكومة يمتلكان عدداً كبيراً من الأصدقاء، وما إذا السكان من بقية مناطق البلاد يرغبون في الحفاظ على أراضيهم وحدودها كما هي، وبرر الكاتبان رأيهما هذا بالقول: “لأن ذلك سيكشف أنَّ أي استفتاءٍ يستبعد الكثير من الناس المتأثرين بنتائجه”.

ويشير المقال إلى أن الشعارات والمبادئ السامية التي يرفعها الراغبون بالانفصال ليست كافية لتحقيق حلمهم، ويدلان على ذلك بقولهما أن “الكاتولونيين على سبيل المثال بنوا حركتهم على المُثُل السامية التي يُفتَرَض أن تقود عملية الانفصال. فنظَّموا أنفسهم دون عنف، ودعوا لاستفتاءٍ شفاف، وقدَّموا أنفسهم على أنَّهم يسعون وراء ما يُفتَرَض أنَّه الحق العالمي لتقرير المصير”.

لكن المشكلة أن الكاتالونيين ليس لديهم دعم دولي يُذكَر ويواجهون معارضةً كبيرة، تماماً كأكراد العراق، الأمر الذي يضع كليهما في مسارٍ صدامي مع القوى العالمية والتناقضات المؤلِمة لسياسات الانفصال.

تناقض الانفصال

ويشرح كاتبا المقال وجهة نظر النظام الدولي لأي فئة تريد الانفصال، ويتحدثان عن أن النظام الدولي الحديث مبنيٌّ جزئياً على فكرتين اتَّضح أنَّهما ليستا مستقرتين؛ وهما أنَّ الحدود مُقدَّسة، وأنَّ الشعوب تُقرِّر وضعيتها السياسية.

وبالنسبة للفكرة الأولى فكان المقصد منها هو وضع حدٍ للحرب عن طريق عدم تشجيع الغزو أو التمرُّد الانفصالي. والفكرة الثانية كان المقصد منها هو حماية المواطنين من الديكتاتوريين أو المحتلين. لكن حينما تُقرِّر مجموعةٌ فرعية من السكان الانفصال، يتصادم هذان المبدآن.

فضلاً عن ذلك أوجدت مسألة إعلان الانفصال فجوةً في النظام الدولي. فلا المبادئ ولا القانون واضحان على وجه التحديد بشأن الكيفية أو التوقيت الذي يكون ذلك جائزاً فيه.

وفي هذا السياق، قال كريس بورغن وهو أستاذٌ للقانون في عام 2014 في موقع Opinio Juris للقانون الدولي والعلاقات الدولية: “كما هو مفهوم عموماً، لا يوجد بموجب القانون الدولي حقٌ للانفصال”. وأضاف: “الانفصال ليس حقاً، لكنَّه لا يكون بالضرورة غير شرعي”.

ومن الناحية العملية تملأ سياسات القوى الكبرى تلك الفجوة، وتُحدِّد متى يتفوق، أو لا يتفوق، حق دولةٍ ما في التمسُّك بحدودها على رغبة الانفصال لدى إحدى المجموعات بتلك الدولة.

وتطرح “نيويورك تايمز” مثالاً على ذلك ما حصل في جنوب السودان، فقد نتج عن استفتاء انفصال هناك اتفاق سلامٍ جرى بوساطةٍ دولية وأدَّى لإنهاء الحرب الأهلية السودانية التي امتدت لفترة طويلة. ويعني ذلك أنَّ عملية الانفصال أُدمِجت في الشرعية الدولية، وأنَّ حكومة السودان بالفعل قد وافقت، وعلى نحوٍ فعال، على حدوث انفصالٍ من نوعٍ ما.

لكنَّ إسبانيا لم توافق على استقلال الكاتالونيين، كما لم توافق العراق على استقلال الأكراد. وبدون تلك الموافقة، تصبح الأوضاع بالغة التقلُّب.

كذلك كان إعلان انفصال كوسوفو عن صربيا قد حصل على دعم الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، لكنَّ الحكومتين الصربية والروسية عارضتاه بشدة. واليوم، ورغم حصولها على اعتراف أكثر من 100 دولة، لا تزال كوسوفو لم تنل بعد اعتراف الأمم المتحدة.

وبسبب ما يُفتَرَض أنَّها مبادئ مُقدَّسة لتقرير المصير، ستتصادم الديمقراطية والسيادة بشكلٍ ما في كل حالةٍ تقريباً، وتقريباً في كل مرة ستكون لدى القوى الكبرى طريقةٌ لتبرير موقفها.

فقد برَّرت روسيا غزوها للقرم بقولها إنَّها نفَّذت رغبة سكان القرم المزعومة بالانضمام من جديدٍ إلى روسيا، وهي الرغبة التي تجسَّدت في استفتاءٍ معيبٍ للغاية. أمَّا الولايات المتحدة، وباعتراضها على طبيعة الاستفتاء، فتمكَّنت من التغاضي عن السؤال الأصعب حول ما إذا كان سكان القرم ربما يرغبون حقاً في أن يصبحوا جزءاً من روسيا.

معضلة الانفصاليين

وبالنسبة لمورغان كابلان، عالِم السياسة الذي يدرس حركة الانفصال الكردية، فإنَّ القادة الأكراد يعون تماماً أنَّ السياسة الواقعية، وليست المُثُل، هي ما ستُحدِّد نجاح محاولتهم للاستقلال من عدمه.

وقال كابلان إنَّه من وجهة النظر الكردية، كان الاستفتاء “يُفتَرَض به أن يكون الخطوة الأولى في عمليةٍ تفاوضية مع بغداد”. وكانت الفكرة هي أنَّ التماس المعايير الدولية قد يجذب الولايات المتحدة والقوى الأجنبية الأخرى لدعم الاستقلال، وأن تساعد، بدورها، في الضغط على بغداد للموافقة على الانفصال.

لكن بدلاً من ذلك، دفع الاستفتاء واشنطن وبغداد للمعارضة، مُوضِحاً ما أسمته الباحثتان إريكا تشينويث وتانيشا فازال بـ”معضلة الانفصاليين”، المتمثِّلة في فشل قواعد الانفصال غير المعلنة أو حتى ارتدادها عكسياً.

وغرَّدت تانيشا على تويتر قائلةً: “على الأرجح لا يُكافأ الانفصاليون لقاء القيام بما يقول المجتمع الدولي إنَّ عليهم القيام به”. وأضافت أنَّه “في مرحلةٍ ما”، سيمضي قرار الأكراد قُدُماً على أي حال، ويكسر تلك القواعد، “وسيفهم الانفصاليون. وأتساءل إن كان الأكراد العراقيون قد وصلوا لتلك المرحلة”.

تحديات أخرى

وفيما يسعى أكراد العراق إلى الانفصال وتحقيق حلمهم بدولتهم المستقلة، تبرز أمامهم تحديات أخرى بعيدة عن إرادة الدول والنظام والقانون الدوليين.

وسلطت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية الضوء على أبرز تلك التحديات، وقالت إن أمام أكراد العراق خيارات ضئيلة في القدرة على الاستمرار، بعد أن ركزت بغداد وجيران كردستان الغاضبون الآخرون على أضعف نقاطها، ألا وهو الاقتصاد.

وأشارت الصحيفة إلى أن كثيراً من المحللين يذهبون إلى أن تركيز الأكراد على الانفصال السياسي قد يأتي على حساب استقلالهم الاقتصادي، وقالوا إن الإقليم الذي تضرَّر بشدة عقب انهيار سوق النفط الخام بعد أن كان يُطلَق عليه دبي القادمة قد يكون هو من سيدفع الثمن.

ونقلت الصحيفة عن بلال وهاب، المحلل بمركز واشنطن البحثي قوله “إنَّ أخطر طريقة للإضرار بحكومة كردستان العراق هي الاقتصاد. هل يمكن لحكومة كردستان العراق أن تكون قابلة للاستمرار اقتصادياً؟ أفضل جواب لدينا حتى الآن هو أنَّنا لا نعرف”.

ويقدر المسؤولون أنَّ حكومة إقليم كردستان تستورد من 80 إلى 90% من البضائع والخدمات من الخارج. حتى البيض والحليب على أرفف محالّ البقالة تأتي من الدول المجاورة.

كما أصبحت حكومة إقليم كردستان مثقلةً بالديون منذ انهيار أسعار النفط عام 2014، وصارت تُكافِح لدفع رواتب القطاع العام المتضخم لديها. فالحكومة الآن مدينة بـ8 مليارات دولار من الرواتب المتأخرة.

وبحسب آراس خوشنو، أحد المستشارين الاقتصاديين لدى حكومة إقليم كردستان الذي صرح لصحيفة “فايننشال تايمز” فإن حكومة الإقليم مدينة بحوالي 5 مليارات دولار لشركات النفط، وقد دفعت لبعض هذه الشركات عبر قروضٍ بنكية.

وإلى جانب الضغوط الاقتصادية، ازدادت عزلة الإقليم من دخول الحظر الجوي الذي فرضته بغداد وأنقرة على أربيل حيز التنفيذ مساء أمس الجمعة، وفقاً لوكالة رويترز. ولم يعد يُحلق في سماء الإقليم سوى الطائرات التي تقوم برحلات داخلية، فيما شهد مطارا الإقليم حركات سفر كبيرة للأجانب الذين بدأوا يتوجسون من تبعات نية الإقليم الانفصال عن العراق بعد الاستفتاء الذي أجري في 25 سبتمبر/أيلول 2017.

1108total visits,1visits today

الكاتب shababek

shababek

مواضيع متعلقة

اترك رداً