الطبع والتطبع الكردي : رؤية مختصرة داخل سياق التاريخ

img

▪️مهند الساعدي

‎من يدقق النظر بعين ثاقبة يجد ان أكراد العراق منذ العام ١٩٢١ لم يقبلوا يوماً ان يكونوا جزءاً من الدولة العراقية ابداً وأنهم في كل الأحوال كانوا مجبرين بالقوة على البقاء ضمن حدودها وحتى اتفاق آذار ( ١١اذار ١٩٧٠ ) مع حكومة البعث انما جاء في مرحلة ضعف وانتكاسة مرت بها حركة التمرد الكردية لا لقناعة بالاتفاق ولا بما حصلوا عليه .

‎كان العراق ملكياً دستوريا ثم جمهورياً وتعاقب على رئاسته رؤساء “يساريون ” و “يمينيون ” ومتطرفون ومعتدلون ،وسفاكون ،ومجرمون ،وصقور، و حمائم، فكان الثابت الكردي هو التمرد على الجميع .

‎بعد ٢٠٠٣ لم يتغيير شيئ في ألثابت الكردي ، لكن حجم المكتسبات الهائلة والغنائم السياسية والاقتصادية الكبيرة التي حصلوا عليها ، والمرحلة التغييرية ، والاهم من ذلك كله الوجود الدولي الضخم في العراق ، هو من أتاح فترة مؤقتة لسكوت الكردي عن رغبته الحقيقية .

‎ما يحصل اليوم هو العودة ( من التطبع الكردي ) الى ( الطبع الكردي ) الذي يدور حول حلم قومي كبير اسمه دولة كردستان .

‎في ظني ان العلاقات بين كردستان وبغداد بعد ٢٠٠٣ لم يكن العامل الأساس فيها هو قدرة وارادة الطرفين على التعايش او اختيار الوحدة معاً ، وانما أديرت العلاقة من خلال الوسيط والضامن الدولي والاقليمي الذي لولاه لم يتحق شئ يذكر .

‎ان الاحتلال الامريكي والمرحلة الانتقالية والدعم والرعاية الايرانية لمصالح شيعة العراق والرغبة المشتركة في التخلص من إرث النظام البعثي وديكتاتورية صدام ومجمل البنية القومية العربية هو الذي كان العامل الأهم في انخراط الكردي في الدستور والعملية السياسية وتأسيس دولة المكونات وحكمها وإدارتها وفق مبدأ التوافق الملغوم . كما كان هو العامل العربي ( الشيعي بالدرجة الأساس ) في تقديم تنازلات وإعطاء ضمانات للكرد هم الان في عجب من انفسهم كيف قدموها !

‎لو ترك الكرد يتعاملون بعد ٢٠٠٣ مع بغداد مباشرة لما كانت العلاقة بين مسعود البرزاني وأي رئيس وزراء عراقي في بغداد لتختلف عن علاقة الشيخ محمود الحفيد مع فيصل الاول او علاقة مصطفى البرزاني مع عبد السلام عارف .

‎المعادلة استقرت تاريخيا على هذه الصيغة : بدون الوسيط الإقليمي و الدولي تكون العلاقة هي حرب التمرد ومع وجود الوسيط تكون العلاقة هي تأجيل حرب التمرد ولم يشهد تاريخ هذه العلاقة رغبة حقيقة في العيش ضمن دولة واحدة .
ما نشهده اليوم هو الاستسلام العراقي القدري للوسيط الضامن بحيث يجلس رئيس وزراء العراق في بغداد ، ويجلس رئيس وقادة الأقليم في أربيل والسليمانية ويستقل الاثنان المبعوثين الامريكان والاتراك والإيرانيين . في لحظة يعلن في العراق استمرار عجزه التاريخي ( لا عن فرض الحلول المؤقتة) لكن عن إيجاد الحل الدائم .

يوجد في العراق العربي اليوم ثلاثة تيارات تعبر عن الموقف من مسالة استقلال كرستان :

الاول : هو تيار (الدولة القومية العربية )وهو تيار وحدوي تقليدي يعتقد ان عراق سايكس – بيكو هو دولة عربية وطنية واحدة تسمح بالتعايش القومي مع الأقلية الكردية في شماله . وهذا التيار هو التيار الاوسع في العراق الان ويضم احزاباً وتيارات وشخصيات اسلامية وعلمانية ودينية وعشائرية . فلم يمنع التباين الايديلوجي والحزبي من تبني هذه الرؤية .

الثاني : تيار العراق الجديد وهو تيار مهم يعبر عن موقفه من خلال رؤيته للعراق الجديد الذي انبثق بعد ٣٠٠٣ ويعتمد على الرؤية الدستورية وقواعد العملية السياسية كمنطق حوار وتفاوض في هذه الازمة .

الثالث : تيار عربي برغماتي واقعي يتركز اغلبه في نخبة من الشيعة العرب اسلاميين وغير اسلاميين يعتقدون ان مصلحة العراق تكمن في انفصال كردستان عنه ويسوقون لذلك مبررات كثيرة جيوسياسية وتاريخية وثقافية واقتصادية بالدرجة الأساس .

ان ما تقوم بها ( دبلوماسية الامن القومي ) التركية والايرانية هي أشبه بعملية طمر لمخلفات نووية خطيرة على أراضي مجاورة ؛ يتمثل في جعل كردستان العراق ساحة لمحاصرة الحلم الكردي والتمثيل به ، ليكون عبرة لمن اعتبر في ( كردستانيهما ) . وبغداد بوضعها الحالي قد توافق على عملية ( الطمر ) هذه مقابل الحفاظ على قواعد الدولة وفق رؤية التيار الاول .

1186total visits,1visits today

الكاتب shababek

shababek

مواضيع متعلقة

اترك رداً