موقع العراق في الخارطة الجديدة للمنطقة

img

هل تعدل إيران مشاريعها السياسية وتتخلى عن طموحاتها الإمبراطورية بما يلبي الحاجات الحياتية لشعوبها، وتبعث برسائل تطمين لجيرانها العرب لبناء علاقات إيجابية تخدم شعوب المنطقة بعيدة عن التوترات الطائفية
جريدة العرب
د. ماجد السامرائي
-سفير سابق في عهد المقبور صدام

بدأت معالم السياسة الأميركية في الشرق الأوسط تتضح عمليا بعد إنضاج العلاقة الأميركية السعودية نحو بناء تحالف إستراتيجي جديد يخدم إعلانات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتواصلة بالمقايضة ما بين المال والدعم، فهو كتاجر “شاطر” لا يقبل بعد الآن عطايا الأمن والحماية للآخرين في المنطقة من دون مقابل، رغم قناعته بأن الحرب على داعش تستحق الإنفاق لأنها تدخل في مجال الأمن القومي الأميركي.

زيارة الرئيس الأميركي للرياض واجتماعه بقمة الخليج والقمة الإسلامية، واحتمالات قيام “ناتو عسكري عربي” لمحاربة الإرهاب، تترجم الرؤية الأميركية الجديدة بتعزيز تلك الحرب لتنطلق من الجغرافية التي نشأت فيها إضافة إلى تثبيت برنامج أمني واسع لاحتواء سياسة إيران التوسعية.

ومن أجل نجاح أي خطة احتواء لإيران يقول وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إن إدارة ترامب “تراجع طرق مواجهة التحديات التي تمثلها إيران، وهو ما يعني إيجاد طرق لتقليص توسع إيران في الشرق الأوسط” خصوصا في كل من العراق وسوريا، لكن الأميركان لا يريدون التورط في المستنقع السوري ولديهم مخالب تم إعدادها كبديل لتنظيمات المعارضة السورية وهي تنظيمات قوات سوريا الديمقراطية اعتقادا منهم بأنها الأصلح رغم الاعتراض والامتعاض التركيين.

الأميركان كانوا يرون في العراق مكانا يستحق المغامرة لما يمتلكه من ثروات لا يريدونها أن تذهب لإيران، إضافة إلى أن سوريا ليست دولة مصالح إستراتيجية واقتصادية للولايات المتحدة وفق ما أكده نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، فالعراق هو بلد الثروة الحقيقية حسب قول دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية والذي انتقد بشدة الانسحاب الأميركي منه دون جني ثمار الأثمان الهائلة التي دفعت هناك، لكنه وبعد أن أصبح رئيسا عاد ليتحدث عن تلك الأثمان وعن الخطر الإيراني في العراق، عندما حذر من خطورة تنامي النفوذ الإيراني في العراق على المصالح الأميركية، وهاجم السياسة الإيرانية من بوابة العراق، معتبرا أن إيران “تستحوذ بسرعة على المزيد والمزيد من العراق، حتى بعد أن أهدرت الولايات المتحدة هناك 3 تريليون دولار”.

هذا التطور في تحديد معالم الأمن القومي الخليجي العربي برعاية أميركية سيجعل الأميركان كما كانوا سابقا لا يلجأون إلى حرق أصابعهم في النار المقبلة إذا اشتعلت، فتجربة الحرب العراقية الإيرانية ليست ببعيدة فقد أخافوا العراق وعرب الخليج بإيران التي شجعوها بطرق غير مباشرة على الصدام العسكري، وحين اشتعلت الحرب ظل الأميركان متفرجين، وكان شعبا العراق وإيران هما الضحية، فقد دفع ثمنها شبابهما بدماء أكثر من مليوني ضحية ومئات المليارات من الدولارات.

الاستقطاب الطائفي قد استكمل لقيام محورين في المنطقة: الأول السعودية ودول الخليج والأردن ومعهما العمق الإسلامي، مقابل الحلف الذي تقوده إيران، وهو حلف قاعدته الرئيسية ميليشيات مسلحة نافذة في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن.

الحلف الأول تبدو أطرافه متماسكة تحت تأثير درء المخاطر، لكن العراق ليس جزءا من هذا الحلف العربي وهو مركز إستراتيجي مهم في المنطقة، لكنه يقف في المنطقة الضبابية بين العرب وإيران، لأن بنيانه السياسي الداخلي لم يستقر لحد الآن رغم شعور الأحزاب الشيعية الحاكمة بأن حكمها للعراق أبدي ولا توجد قوة تنافسها فيه، في حين تعج البلاد بصراعات طائفية تهدد وحدته الوطنية، وتنخره مافيات الفساد والسرقة وانعدام الأمن، كما أن الحكومة العراقية الحالية غير واضحة في سياستها الخارجية خصوصا في شؤون العلاقات مع الدول العربية وأميركا وإيران، فمرة تعلن الانحياز التام لإيران، ومرة أخرى يعلن حيدر العبادي بأن حكومته ضد سياسة الأحلاف.

مع ذلك فإن إيران تعتقد بأنها ماسكة بالعراق وستجعل منه منطلقا لنفوذ إستراتيجي بعد حسم معركة الموصل والانتقال إلى سوريا ثم إلى سواحل البحر المتوسط وجنوبي لبنان.

وقد أكدت جريدة الغارديان البريطانية في تقرير لها حصول تعديل في ذلك الخط الإستراتيجي المنطلق من الأراضي الإيرانية وأنه “تم نقل الممر الجديد بطول 140 ميلا جنوبا في سوريا لتجنب القوات الأميركية التي تم تجميعها لمحاربة تنظيم داعش وسوف تستخدم الآن بلدة الميادين التي يحتلها داعش كمركز في شرق سوريا، وتتجنب الشمال الشرقي الكردستاني، الذي سبق أن بحثه القادة الإيرانيون كطريق وصول حاسم”. وتم هذا التعديل إلى الجنوب لكي لا يصطدمون بالقوات الأميركية المتواجدة في الشمال الغربي للعراق على الحدود السورية.

الإيرانيون يراقبون التواجد العسكري الأميركي المتزايد في العراق بحذر خصوصا في المنطقة الغربية القريبة من الحدود الأردنية والسعودية، وهناك حديث حول موافقة حكومة العبادي على قيام الشركات الأمنية الأميركية بالسيطرة على الطريق بين الأردن والعراق وهي خطوة مهمة لا نعرف لماذا تركها الإيرانيون للأميركان.

لا شك أن هذا التواجد العسكري الأميركي المتزايد في العراق رغم النفي المتكرر لحكومة العبادي سيؤدي إلى متغيرات مهمة في التوازن العسكري بين الميليشيات المدعومة من الحرس الثوري الإيراني وبين القوات الأميركية الخاصة والتي تلقى اليوم التأييد من الجماعات السنية التي سبق لها وأن قاتلت الأميركان خلال احتلالهم العراق عام 2003 ذلك لأن القوى العربية السنية لا تمتلك ميليشيات مسلحة مثل القوى الشيعية.

هناك حاليا نشاط سياسي أميركي غير مباشر لوضع قواعد لتحول سياسي عراقي جديد عبر مؤتمر انعقد في جنيف في العشرين من فبراير الماضي، ويبدو أن اجتماعاته متواصلة برعاية مشتركة من الأميركان ومعهد السلام الأوروبي وهو منظمة تعنى بوضع حلول تعجز عن حلها الحكومات تأسس عام 2014 وترأسه في حينه السياسي الدبلوماسي الإيطالي ستيفان دي ميستورا.

والغرض من هذا المؤتمر هو تنظيم استعدادات سياسية أميركية جديدة في العراق لما بعد داعش مغايرة لما سبق أن قامت به قبيل وبعد غزوها للعراق واحتلاله، عبر تحضير قوى وشخصيات عراقية عربية سنية شيعية لمناقشة ملامح المرحلة المقبلة، معتقدين أنهم يتمكنون من تحقيق حالة من الوفاق السياسي لمرحلة ما بعد داعش.

إن هذا الخط السياسي المتعلق بسلطة الحكم في العراق يعد إذا نجح موازيا لمشروع الأمن القومي الإستراتيجي العربي الذي ترعاه الولايات المتحدة حاليا، ومن المحتمل أن تتمسك قوى الحكم الشيعية بالمسار الحالي للعملية السياسية مما سيثير الكثير من الأزمات واحتمالات الفوضى السياسية والأمنية لعراق ما بعد داعش.

هذه الوقائع ستؤدي إلى متغيرات على مستوى التوازن العسكري بعد داعش وسيتكشف مدى خضوع العراق لإيران ولحلفها مقابل الحلف السعودي الأميركي، وسط تنامي مشاعر النأي بالنفس لدى بعض القوى السياسية الشيعية والسير في الطريق الوسط بين إيران وأميركا وهي السياسة التي يحاول العبادي السير وفقها، لكنها سياسة محفوفة بالمخاطر، لأن هناك منطقة سيتم الوصول إليها لحسم المواقف، فإما أن تكون حكومة العراق مع إيران إذا تصاعدت حدة الصراع في المنطقة، وإما أن تكون مع الحل الوطني الملبي لمصالح العراق.

العراقيون تعبوا من الصراعات والحروب، وهم أحوج من أي وقت مضى إلى الأمن والبناء بدلا من التجييش وشعارات “الممانعة ومحاربة الشيطان الأكبر”.

يبقى السؤال المهم أين يقف العراق من تبلور الخارطة الإستراتيجية الجديدة، السؤال موجه إلى سياسيي العراق لكي يرتفعوا إلى مستوى التحديات الجديدة، ولكي يستعيد العراق مكانته في المنطقة والعالم من دون تبعية، والسؤال الأهم موجه إلى إيران في ظل الولاية الثانية للرئيس حسن روحاني هل ستسعى إلى تعديل مشاريعها السياسية وتتخلى عن طموحاتها الإمبراطورية، وأن تبعث برسائل تطمين لجيرانها لبناء علاقات إيجابية تخدم شعوب المنطقة بعيدة عن التوترات الطائفية.
*******

فيديو: ميلانيا تدفع يد ترامب وترفض إمساكها لدى استقبالهما في إسرائيل

Melania Trump bats away Donald Trump's hand

Did Melania Trump really just bat away Donald Trump's hand? ?

Opslået af Metro på 22. maj 2017

1789total visits,1visits today

الكاتب shababek

shababek

مواضيع متعلقة

4 تعليق على “موقع العراق في الخارطة الجديدة للمنطقة”

  1. الحلاوي

    .رحم الله الشاعر احمد مطر حين وصف حكام الخليج ((السعوديه والامارات)) بمقولته الرائعه :

    كل أبناء السمو والمعالي تحت نعالي .
    فقيل لي عيبا فكررت مقالي
    ثم قيل لي عيبا فكررت مقالي فانتبهت الى سوء مقالي فقدمت اعتذاري لنعالي …

  2. الف نعلة على روحه للخلفك شون كاتب خرطي ومنحط بعثي قذر

  3. الحلاوي

    شاهد الفيديوه اسم السعودية على صناديق ذخيرة داعش في حي الرفاعي غربي الموصل .
    قال احد ضباط الفرقة الذهبية أن عدد هذه الصنادق يقارب على 500 ، متهما السعودية بدعم تنظيم داعش.
    ولم تعلق حكومة حيدر العبادي الانبطاحية على هذا لانها تنفذ مخططات الدواعش السعودية وقطر !!
    https://www.facebook.com/901353279973470/videos/1281115545330573/

اترك رداً