الأغلبية الاخرى

img

▪️مهند الساعدي

يشكل التيار الاسلامي الديمقراطي المدني اليوم ، المساحة الاوسع داخل الحركة الاسلامية في العالم ، والإسلاميون اليوم لا يقدمون انفسهم اصيلاً او بديلاً عن المجتمع الاسلامي ، فالإسلاميون ما هم إلا فئة معينة من المسلمين ، يمتلكون رؤية محددة شاملة للكون والمجتمع ، تُرضيعُ ، وتغذي المجال الإنساني كله ، بما يخرجه عن الذرائعية البحتة ، ويضيف الى قيم المنفعة والواجب الاخلاقي ابعاداً أوسع .

وهذا التيار اليوم هو الاخر تيار واسع ، يضم الاسلاميين بمختلف درجاتهم ، واجتهاداتهم ، وتجاربهم ، وخلفياتهم الاجتماعية ، والحضارية، والسياسية ، والمناطقية والإقليمية .

لان من اهم ميزات الاسلام ، بما هو ظاهرة تاريخية ، انه لم يتجسد او يتموضع في كنيسة واحدة ، او مؤسسة بابوية واحدة ، او مذهب ورأي واحد ، بل كانت حركة الاسلام الدينية والثقافية متنوعة ، تنوع المدارس الكلامية والمذاهب الفقهية . فلا يوجد تفسير رسمي ، او قراءة رسمية للاسلام مقابل قراءات اخرى توسم انها غير رسمية .

فلا الأزهر ولا النجف ولا قم ولا الزيتونة ولا مدارس مكة ولا فقهاء المدينة ، هم او احدهم ، اصحاب الحق في احتكار راي الاسلام او الافتاء باسمه .

كذلك ليس الاخوان ، ولا الدعوة ، ولا التحرير ، ولا الحركات الجهادية ، ولا التيار السلفي ، ولا الصوفية ، هي وحدها التي تعبر عن القراءة الاخيرة للاسلام . فالتيار الاسلامي ببساطة هو تيار كبير ، كان بالامس يضم الخوارج والخليفة في مدينة واحدة ، واليوم هُو يضم جميع الطيف الشامل ، من أيمن الظواهري وابي بكر البغدادي ، الى حسن روحاني ورجب طيب اردوغان .

لكننا نستطيع ان نقول بكل ثقة ، ان التيار الاكثر اعتدلاً ، والأكثر قبولاً للديمقراطية ، هو التيار الاكبر ، وهو التيار الذي تكتسب تجاربه اتساعاً مطرداً ، والذي تجاوز المقابلة الساذجة بين الدين والديمقراطية ، التي كانت تفترض ان الدين هو حكم الله ، وان الديمقراطية هي حكم الشعب ، صارفة الفكر ، والنظر ، والتأمل من ان الديمقراطية هي تجربة انسانية ناجحة ، وهي ابنة شرعية للمجتمع الذي يقررها ، ويصنعها ، تشبهه كما يشبه كل مولد أباه ، فهي تشبه مجتمعها في دينه ، او أديانه ، ومذاهبه ، وأعرافه ، وحلاله وحرامه، وتجاربه ، ومغذياته الروحية والقانونية . فكما اتسع الاسلام لنفسه ولم يضق بها ، كذلك تتسع الديمقراطية لنفسها ولا تضيق ببيئة او قيمة او نمط حياة مختلف .

والإسلاميون اليوم مطالبون بما كانوا يطالبون به غيرهم ، ايام المحاولات الطويلة التي عملت على ابعادهم ، وتهميش دورهم في المجال الاجتماعي والسياسي ، وتقييد حرياتهم ، وعدم مساواتهم بغيرهم . فنحن اليوم مطالبون بعدم التضييق على حريات الناس ، او خياراتهم الطبيعية في الحياة ، وحفظ حقوقهم الوطنية الطبيعية ، وعدم إخافتهم واقلاق وجودهم في البلدان المتنوعة التكوين ، والمتعددة الأديان والمذاهب والمشارب والاحزاب والاتجاهات السياسية .

ومر ذلك ان نعلم : اننا ونحن في مرحلة الانتقال من أنظمة الحكم القمعية الشمولية ، الى نظام الحكم العادل والرشيد ، الذي يحتكم لآليات الديمقراطية ، انما ننتقل من النقيض الى نقيضه ، لا كما تنتقل الحكومات والدول من نظام الى اخر ، ومن حكومة الى اخرى على قاعدة مجتمعية وسياسية وقانونية واحدة مستقرة ، لا تكاد تترك للتغير الا هامشاً ضئيلا يتعلق ببعض اتجاهات الاقتصاد والسياسات الضريبية والضمان الاجتماعي او تطبيق ملاحظاتها على السياسات الخارجية والأمن .

ومنه ان نعلم : ان الديمقراطية الحديثة انما هي خير تمثيل وتجسيد لقيمة الشورى التي ضاعت وتم التفريط بها من قبل المسلمين على امتداد قرون طويلة من تاريخ الحكم والخلافة والسلطان ، حيث بقيت تمثل مفهوماً اسلامياً راقياً ، وممارسة متقدمة لم يكتب لها الرسوخ والاستمرار ، عندما انقلبت عليها العشائرية ،والملكية المستبدة ، والوراثة العائلية ، والغلبة بالقوة . فتحولت الشورى الى مفهوم معلق في التاريخ ، لا يجد مساحة يحط عليها ، حين ضاقت الارضيّة التاريخية للمسلمين بالشورى ، ولم تتح لها مجالا تجريباً يحولها الى علاج نافع لازمة السلطة التي عانت منها المجتمعات الاسلامية في تاريخها . حتى جاءت الديمقراطية كتجربة اجتماعية انسانية طبقت على المجال السياسي فكانت خير ممثل لقيمة الشورى ، وترسخت في العالم الحديث كممارسة لا نقول انها مثالية ، لاكنها الافضل والأنفع من غيرها .

ثم لنعلم : ان الأغلبية ، في التجارب الديمقراطية التي انتقلت من النقيض الى النقيض ، ليست هي الحل المثالي لكافة أزمات ومعضلات الدولة ونظام الحكم . فالأغلبية تملأ احدى كفتي الميزان العادل ، لكن الكفة الاخرى يجب ان تقوم على قاعدة من المشتركات السابقة وجوداً ، على التجربة الديمقراطية ، والاحتكام للانتخابات ، والتصويت ، والاخذ برأي الأكثرية .

وهذه القاعدة هي التي تؤسس على قيم دولة المواطنة ، وضمان الحقوق ، وتبديد المخاوف ، واثبات ما هو عكس النفاق الديمقراطي الذي اتهم به التيار الاسلامي . الذي كان ينظر اليه على انه راكب ديمقراطية وليس راع لها .

فمن دون هذه القواعد المشتركة للتعايش ، والثقة ، وضمان عدم التغول من خلال استغلال نتائج ومخرجات العملية السياسة ، لن يكتب للانظمة الديمقراطية الفتية ان تكون سبباً كافيا للاستقرار والتقدم .

ان معنى الأغلبية لا يقوم على افتراض ان الأقلية فقدت مساحتها بالغلبة ، او ان الحصول على هذه الأغلبية هو فرض لمشروعها ، او تنفيذ لرؤيتها من دون مراعاة الارضيّة المشتركة التي يقوم عليها الوطن والمجتمع .

ان الأغلبية الانتخابية ، التي يفرزها التصويت . يجب ان يقابلها أغلبية معادلة ، سابقة عليها ، هي الأغلبية التي تتوافق على قواعد عامة مشتركة للعيش في الوطن الواحد وان لا يفرض عليها ما لا تريد او تتفق عليه مع الشركاء في الوطن .

اي ان الأغلبية : تاتي لتطبيق ما تم الاتفاق عليه ، وليس لفرض ما جرى الاختلاف فيه .
****
ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ ( بالاقتصاد الناجح )

▪️ مهند الساعدي

سنوات طويلة والاحزاب الاسلامية ، ونصف الاسلامية ، وربع الاسلامية ، والإسلامية نسبياً ، في تركيا ، تحاول الوصول وتطرح : معاندة الدستور ومراجعته ، وتفكر بالانقلابات ، وترسيخ القواعد الشعبية الاسلامية ، وانتهاز فترة ما كان يعرف ب ( الصحوة الاسلامية ) ، واستغلال النظام الديمقراطي ، والوصول عن طريق الانتخابات . وما سواها من وسائل التنظيمات الاسلامية التقليدية في العمل الجماهيري مثل المساجد ، والمنابر ، والجمعيات الخيرية ، والشعائر الدينية .

وفي كل مرة كانت التجربة تنحسر في ثنائيات معطلة تؤدي اما الى الإجهاض او المحاصرة او الفشل .

ثنائيات : الغرب والشرق ، الاسلام والعلمانية ، العسكري والمدني ، والدين والدنيا ، الحديث الذي لا ينقطع السجال فيه وحوله .

حتى جاءت تجربة العدالة والتنمية وحققت النجاح الاقتصادي ، وشهدت تركياً نمواً ، وارتفع الدخل القومي ، وتحرك الاستثمار ، وازدهرت السياحة ، وتضاعف الانتاج والتصدير ، وشاع نمط مشاريع الانتاج الاستهلاكي الصغيرة والناجحة .

حينها نسي الأتراك الأحاديث الايديلوجية عن جنس الملائكة ، والحجاب ، والخمور ، وتعريفات مختلف عليها للديمقراطية والعلمانية . وذهبوا كلهم حول مشروع الدولة الاقتصادي الناجح ، وأصبح التنافس السياسي يدور فيه وحوله ، بين المعارضة والحزب الاسلامي الحاكم ، وليس حول اتاتورك او السلطان عبد الحميد .

بناء الدولة والاقتصاد هو خير ما ندعوا به الى الله في هذه المرحلة .

ذهب ( العدالة والتنمية ) ليقوم بالمهام التالية :

محاربة الفساد لاسيما في البنوك الحكومية وتقديم الساسة ورجال الاعمال للمحاكمة ووضع يده على أملاكهم في خطوة استلهم فيها تجربة الرئيس بوتين في روسيا .

تقديم الحل العملي لازمة السكن حيث دشن مشروعه ببناء
280 ألف شقة للفقراء وذوي الدخل المحدود بأقساط ميسّرة تتراوح بين 15 و20 سنة ، ومن قبل شركات تركية واعدة .
تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 8% سنوياً جعل تركيا تحتل المرتبة 17 كأقوى الاقتصادات في العالم .

تحقيق أرقام قياسية في الصادرات وصلت إلى 100 مليار دولار، محطمة أرقاماً قياسية غير مسبوقة في تاريخ الاقتصاد التركي . فقد شهد الناتج المحلي الإجمالي خلال أربع سنوات ونصف السنة فقط من 181 مليار دولار ليصل الى 400 مليار دولار.

تحقيق معدّل دخل فردي من 2589 دولار للفرد عند مجيء حزب العدالة والتنمية للحكم الى حدود 5700 دولار.
�حقّقت تركيا في العام 2006 المركز الـ18 للدول الأعلى نموا في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وقد حقّقت نموا مستمرا بين 5 و8% في السنة لأكثر من خمس سنوات متتالية لتحل خلف دولة متقدمة مثل بلجيكا والسويد مباشرة

حقق الاقتصاد التركي خلال عامي 2010-2011 نموّا سنويا بمعدل 8.5 بالمئة ليصبح بذلك ثاني أسرع اقتصاد نموا في العالم، بعد الصين التي بلغ نموّها 9.2 بالمئة عام 2011.

حقق نجاحاً لافتاً على صعيد حيث كانت قد بلغت نسبة صافي الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي 38.4 بالمئة في 2002، انخفضت النسبة إلى 24.2 بالمئة بحلول 2012 . كذلك، انخفضت نسبة صافي ديون القطاع العام الخارجية إلى الناتج المحلي الإجمالي من 25.2 بالمئة عام 2002 إلى 0.6 بالمئة عام 2011. وانخفضت النسبة إلى الصفر عام 2012 .

تحقيق النجاح في برامج الضمان الاجتماعي بحيث ارتفع إجمالي الإنفاق الاجتماعي بما في ذلك المدفوعات المختلفة لوكالة الضمان الاجتماعي عام 2011 إلى 1.42 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي . وزاد الإنفاق الاجتماعي من 1.376 مليار ليرة تركية عام 2002 إلى 18.216 مليارا عام 2012 بحسب ( تركيا بوست )

ان تحويل التنافس الحزبي ، والانتخابي ، والسياسي ، من مرحلة التنافس الايديلوجي حول هوية الدولة والمجتمع ، الى مرحلة اخرى متقدمة ، هي التنافس الاقتصادي حول النهوض بالدولة والمجتمع هي احد اكبر مهام العمل الحزبي الناجح .

أن الأحزاب الاسلامية في العراق مدعوة اليوم الى الاصغاء العقلاني لتجارب دولة اسلامية قريبة وبعيدة عنا من اجل استلهام طريق النجاح وركوبه ، والتنكب عن طريق النزاع والجدل الايديلوجي بين العقائد السياسية المتناقضة ، الذي من الممكن جدا ، تركه للفعاليات والمشاريع الفكرية والاكاديمية والعلمية ، ولا يدخل مباشرة في الصراع السياسي والانتخابي الذي يجب ان يتركز حول برامج التنمية والتقدم الاقتصادي .

لم تعد الأحزاب الاسلامية اليوم تتحمل العبئ الأكبر في نشر الاسلام والدعوة الى التدين ، ففي ظل نظام يطلق الحريات ، ولا يفرض قيوداً على المساجد او الحوزات او حركة الكتاب او المدارس الدينية او جمعيات العمل الخيرية ، سيترك الباب واسعاً امام المرجعيات الاسلامية الكبرى والحوزات وصلوات الجماعة والجمع ، وحركة الكتاب ، والاعلام الديني ، والشعائر لتاخذ طريقها في اداء رسالة الدين في المجتمع .

انها ليست دعوة مباشرة لهذه الأحزاب في التخلي عن مشروعها الاسلامي ، بقدر ما هي دعوة لإعادة التموضع الحضاري والسياسي ، وإعادة تقسيم الأدوار والمهام بين قطاعات المجتمعات الاسلامية المتعددة ، والذي يعني اليوم ان تتخصص هذه الأحزاب اكثر بالعمل السياسي وبناء الدولة والتقدم الاقتصادي .

ان الطرق الى الله بعدد انفاس الخلائق ، وابواب الخير كثيرة ، والباب الذي يدخل منه الاسلاميون ، لكل خير اليوم ، هو باب تيسير فقه المعاش ، والقضاء على الفقر ، وتحقيق الحياة الكريمة للشعوب .

1055total visits,1visits today

الكاتب shababek

shababek

مواضيع متعلقة

5 تعليق على “الأغلبية الاخرى”

  1. الحلاوي

    هدية للدواعش اعداء الحشد الشعبي ،شاهد قتلى داعش الارهابي و سيارته التي تم تدميرها بسواعد ابطال الحشد الشعبي بدر في غرب تلعفر..+

    قناة بحشدنا يعلو العراق 🇮🇶🇮🇶🇮🇶🇮🇶✌️✌️✌️✌️
    https://www.facebook.com/alhussaiI9/videos/1449455995105245/

اترك رداً