كتاب التوراة في قضاء قلعة صالح

img

نعيم عبد مهلهل
وكأنه يطهّر صباحات زائريه من مختلف ديانات الأرض بماء النهر وتواريخ مواعظه التوراتية التي حملها ذات يوم من بابل الى مملكة الطيب شرق ميسان ، وعند اول قبلة بوابة ضريح النبي سيقرأ الزائر : السلام عليك يا نبيَّ الله يومَ وِلِدت ويومَ تَموتُ ويومَ تُبعثُ حياً. وبجانب الكتابة ثمة صلوات مدونة بالعبرية وهناك نقوش ربما ترجمتها تعني المواعظ والصلوات والتراتيل.

صورة المكان التوراتي والذي يرتدي شفاعة التشيع واحترام الصابئة لمكان النبي قرب الماء ليشعرهم أنه من ظهرانية يحيى (ع) حيث يكون المكان روح التعميد ولغته .

هذه صورة المكان الذي تتسع فيه مساحات الاهوار وينبت القصب بأعداد تفوق سكان الصين.

إنه البلاد العميقة في تواريخ تفاصيلها لها أربعة قراطيس هبطت من مواطن السماء الى أعشاش قلوب البشر في الأرض وهي حسب القدم الزمني الكنز ربا كتاب يحيى للصابئة المندائيين ، والتوراة كتاب موسى لليهود والانجيل كتاب يسوع للنصارى والقرآن ختام كتب السماء للمسلمين .

وربما نالت كل ديانة من علاقتها بالسياسة الكثير من التعسف والاضطهاد وفي المحصلة السياسي يذهب والدين يبقى.

ذهب قياصرة الروم وملوك يهوذا ويسوع بقيَ بإنجيله ، وعتاة قريش ذهبوا وبقي دين محمد ، فيما حافظت المندائية على وجودها وأزلها القديم بالرغم من تعرضها الى الكثير من الاضطهاد والقتل وحرق موروثهم وقراهم وقراطيسهم ، أما اليهود فقد أرغمتهم السياسة ووعد بلفور أن يحملوا حقائب السفر الى فلسطين تاركين مواطنهم التي عاشوا بها منذ ايام نبوخذنصر وعزرا الكاتب (العزير) لكنهم ابقوا في المكان شواهدهم وبعضاً من ثقافتهم في طرز البناء وبيوت الشناشيل واضرحة انبيائهم (ذوالكفل) و(العزير) وبعض الشواهد الاخرى من تراثهم التلمودي والثقافي والتوراتي والتاريخي الذي كان مخزونا في مكان رطب وينز فيه الماء بقبو تحت مديرية المخابرات العامة بالحاكمية.

تلك الأمكنة حيث مدى الأهوار يتساوى مع المسافة التي يقيسها الجفن بين الماء والاسماء تعيش الأديان والحضارات في مودة فطرية سببها هذا التكوين الحسي في بساطة الشخصية الجنوبية لهذا كان يهود العراق في التأريخ الذي سبق قرار التهجير القسري الى فلسطين يمشون الى مزاراتهم أين ما كانت قبابها وبواباتها ، ومنها قبر (العزيز) في الناحية التي حملت أسمه قرب قضاء قلعة صالح. حيث لهم فيها خانات يستريحون فيها قبل ان يستقبلهم صباح المسافة بين النبي والقلعة وهو طريق ترابي يرددون فيه آياتهم ويقربون وجه موسى وسيناء وبوابات معابدهم في اورشليم والناصرة وإيلات من وجه النبي الذي يحتفي بأبنية القصب ونعاس الموج وهو يمر من قبلُ بحيطان البناء الذي غلف بالطين والجص والحناء وتلوح في عينيه قرى المعدان الممتدة والتي تسكن الاهوار القريبة وحتى حدود إقليم الاهواز.

يتذكر صاحب إحدى هذه الخانات لحظة استيقاظ الزوار اليهود الى الصباح وهم ينتهون من حفظ الادعية التوراتية التي سينشدونها بهدوء وبرؤوس تهتز مع وقع الكلمات ، والى الصباح حيث تستقبلهم شمس قلعة صالح بالترحاب والالفة وذلك الازل الذي يلم شمل الديانات كلها منذ صحائف المندائيين المكتوبة على الواح الرصاص الى هذا اليوم.

وأمام الضريح التي تتنازعه شغف الارواح بين عشق المعدان له وبين محبة أحفاد يهود بابل واورشليم وكل الآتين من شتات العالم ليصنعوا وطنا مبتكراً تنازعه أحقية الوجود لدموع عرفات ومحمود درويش وغسان كنفاني.

يتعالى همس الادعية والصلوات فيما موج دجلة يسكنه الإنصات والخشوع للقادمين من ليل خانات قلعة صالح.
***************
أساطير الطور الصُبيّْ

نعيم عبد مهلهل
(( الآن أسير في شوارع باريس وكأنني أجلس الأن في صريفة الصف في مدرستي .أصافح خيال شيراك وأزور اللوفر ، وأتحسس بنطال رامبو واهدي صبغاً أسوداً لشيب الممثلة برجيت باردو وأرمي لقططها والفقمة سمكاً من هور سوق الشيوخ.. ثم أعود مشيا إلى وطني ولم أحتفل. فيسكنني الحنين الى الآه وأويلاه ..أويلاه .. لأهمس لكل عارضات الأزياء في محلات الشانزليزيه :عذب هذا الطور الصبي من شجن القصب أتى ومن صوت الناعور))
هذه المقدمة القديمة في واحدة من نصوص كتاباتي عن الوجود المندائي في مناطق الاهوار ومدن جنوب سومر حيث كتبت أكثر من مرة عن الطور الصبي ونشأته الأولى في قضاء سوق الشيوخ حيث للصابئة المندائيين محلة كبيرة في ضواحي المدينة وتقع في الطريق الرابط بين مركز القضاء وناحية العكيكة غير بعيد بمرمى النظر عن حافات الاهوار الجنوبية القريبة من كرمة بني سعيد . وحتى أبقيَّ تلك البحة المندائية التي صنعتها حنجرة المندائي ( روحي شعلان ) يوم خاف من سيف متصرف المدينة ناصر باشا السعدون ، ونطق لسان حاله بتلك الأويلاه التي خلقت هذا الطور الساحر الذي سجل بأسمه كأختراع كما سجلت النظرية النسبية بإسم ألبرت أينشتاين .
أبقيها ساكنة في تلك النغمة السومرية التي ترتدي ثوب زهرون العراف المندائي الذي كان يزور قريتنا بزورقه وهو يصحب بصوته نشيده الاولي الفاتن ، الطور الصبي الذي يغنيه بعذوبة تفوق عذوبة المطرب جبار ونيسه وولده المرحوم ستار جبار الذي مات محترقا بمدفئة نفطية في ليل التعتيم في حرب عام 1991 .
لكن حين تحل عطلة الصيف في السبعينيات أفتقد نشوة ذلك الحنين الذي تعلم أصول اداءه شغاتي من زهرون المندائي فصار يمتعنا به كلما مللنا من سهرات الاغنيات المصرية فيكون الطور بوابة الحنين الى جعل نجوم الليل تنشد قداس الحمد الازلي لطبيعة الماء والقصب والالهة النائمة في الأيشنات الاثرية التي تقع على بعد اميال قليلة من قريتنا.
وحتى أبقي تلك الليالي صادحة في مسامع ذكرى شغاتي وريكان ورائحة المكان الجميل كنت أحمل قدمي الى شارع الجمهورية في مدينة الناصرية حيث تقع تسجيلات ( أبو عود ) .
هذا المكان الذي يصدح بالغناء والحنين وتتناوب فيه مدائح الموسيقى بصوت عبد الوهاب والسيدة أم كلثوم وحضيري أبو عزيز وداخل حسن وخضير مفطورة وأسمهان .
هذا المكان كان يشبه بوابة معابد الصدى في ازمنتنا يوم دخلت عالمنا اشرطة البكرة في مسجلات الفيليبس والأكاي والكاسيتات التي جلبتها مسجلات السانيو والسوني وقبلها كانت أسطوانات قامقجي التي تحمل الالحان الخالدة لليهودي صالح الكويتي مموسقة بدهشة حلوة بين طيات سليمة مراد ومنيرة الهوزوز ونرجس شوقي.
كان محل أبو العود محطة لدقائق يستريح فيها كل مار وهو يذهب لشراء حذاء جديدا من شركة باتا أو لينتعش بقدح من شراب الزبيب الذي يتقن صنعه المرحوم الحاج ابو سلام الدوشمجي أو يذهب ليصلح مسجله العاطل عند المرحوم عبد الحر الذي اعتاد بعض الليالي على استضافة المطرب الرائع حسن حياوي لينشد في قارعة الطريق اغنيته الحياوية ( أكل يا عنز والدباغ يولاك ) أو أولئك الذي يذهبون لحلاقة شعرهم عند هاتف الحلاق .
هذه الوقفة القصيرة هي متعة السير في شارع الجمهورية ، حيث يسكنني الحنين الى وجه شغاتي عندما اتسمر امام تسجيلات ابو العود ، واهمس لولده الكبير ( جواد ) ارجوك اسمعنا طورا صبياً .
فنسمع …
يختفي صوت فريد وفيروز وناظم العزالي ، وحده صوت زهرون وجبار ونيسة وشغاتي يعيدون حلم ليالي هذا الطور فيما القصب ينصت خاشعا مثل كهنة سومريون عادوا للتو من احتفال توديع جلجامش في سفرته الشهيرة.

1564total visits,3visits today

الكاتب shababek

shababek

مواضيع متعلقة

4 تعليق على “كتاب التوراة في قضاء قلعة صالح”

  1. غير معروف

    كأني اقرأ لغادة السمان .. ربما لا ربط بين الاثنين ولكن ثمة شيئ ما في اسلوب الكتابة يذكر القارئ بغاده .

  2. غير معروف

    ماجد —
    نعيم عبدمهلهل لا زال يكتب بطريقه نثريه كانت سمة الكتاب والادباء العراقيين وعلى مدى عقود القرن المنصرم ,انها نوع من النثر الرومانسي وعلى ما اعتقدان العراقيين بحاجه ماسه الى قرائة الكثير من هذا النوع من الكتابه والابتعاد عن قرائة نصوص تسمى ادبيه ولكنها تحفل دائما بمصائب السياسه ومن خلال هذا التوليف يفقد النص قيمته الادبيه , ان الشعب العراقي كان شعب رومانسي الى ان تسلط حزب البعث على ناصية الاخلاق والتراث وغير كل معالم الادب الرومانسي ودس بين ثنايا الماده الثقافيه التي كان الشعب العراقي ينتهل منها غذائه الروحي كل يوم وكل ساعه ثقافه فجه بنيت على موروث القتل والاغتصاب وسماها ادب مرحلة صدام ادب الرجوله والفروسيه ولكن اذا كانت بها نفحه من نفحات ادب الفرسان لوجدناها مقاربه الى شعر عنتره وابو فراس الحمداني , ان ارض العراق تمتلئ بمعالم كثيره وتخص اديان ومعتقدات مختلفه وسر بقائها الى يومنا هذا هو تطرق هذه الماده الى تنقية الروح من العادات القبيحه وترشد المواطن ان يسلك طريق الخير ويقدم المساعده الى من يحتاجها وبها ايضا مناجاة الرسل وزالانبياء السابقين والتوسل الى الله ان يعمر بطول عمر المصلحين وهذه الكتب التي تركها اسلاف العراقيين كانت بمثابة قطع نثريه انسانيه ولا تحفل باي كلمه نابيه ومشجعه على هتك الستر والاعتداء على الاخرين وهكذا ماده ادبيه ملؤوها كلمات الاصلاح تركت الى ابناء الشعب العراقي في جنوب العراق فليس بغريب ان نجد ان معظم الجنوبيين رومانسيين ومن هذه الرومانسيه ولدالشعر الوجداني والغنائي وطور المحمداوي والصابئي والابذيه ولكن العامل الاقتصادي كان يلعب دور مهم في نتاجات انبياء وادباء ارض الجنوب الخصبه بعطائها الانساني والادبي والعمراني ,تحيه الى الكاتب نعيم عبدمهلهل ومنذ فتره طويله لم انعم بقرائةنص نثري يحرك ساكنا من الخيال .

    • Raid almosawei

      حقيقة تعجبني كثيرا كتاباتك ..هي للرقي النفسي ..وعدرا منك ﻻني استخدمها كثيرا في تعليقاتي بالفيس بوك …لم اجد افضل مماتطرحه في تعليقاتك في شبابيك من كل الدين قرئت لهم سابقا …تحياتي لك واشكرك ﻻني تعلمت الكثير منك …

  3. غير معروف

    جاسم
    الاديان القديمه والتي ظهرت في جنوب العراق كانت تعتمدعلى قوة النص الادبي والى هذا السبب حفظ نصوصها نخبه من المواطنين واصبحوا انذلك من جملة المصلحين لان هذا المواطن الذي حفظ بعض النصوص الادبيه استطاع ترديد تلك النصوص بين المواطنين في السراء والضراء والغرض من ذلك هو حل ما يعانيه القوم من ارتكاسات اجتماعيه ومن هذا المنطلق ظهر في الجنوب ولدى كل قريه مواطن يتمتع بمثل هذه المقدره على توليف النص المقدس مع مشاكل الناس وسمي هذا المواطن — ملا — وكان هذا الملا يجد مكانه في مظيف القريه والذي غالبا كان برعاية شيخ القبيله او كما يقول الجنوبيون السلف وهي سكان القريه او القريه بالذات , فكانت النزاعات تحل على ضوء نصوص بعض الايات او غيرها وغالبا ما يكون هذا المواطن الملا شاعر ويعتبر هو وسيلة اعلام الشيخ والقبيله وكان يقوم بكل واجبات اغلب الطقوس ومنها الزواج والموت والدفن وبعض الاحيان يتدخل بعلاج المرضى لغرض طرد الجان منهم , ان الدين وكتبه ونصوصها يوجد لها الحيز الكبير في ظمير و وجدان ابناء الجنوب وتناقلت هذه الثقافه ابا عن جد وهذه الامور انتقلت الى المدينه من خلال هجرت فلاحي الجنوب الى المدينه واتت هذه الهجره من جراء ظلم الشيوخ وجشعهم المادي وحالة الفقر التي كانت منتشره في الريف العراقي ,ومن خلال هذه الهجره غابت عن الواقع الاجتماعي الكثير من العادات والتقاليد وظهر ادب شعبي مميز بوجدانيته مغاير الى الادب الشعبي والذي كان سائد لان ابن الفلاح اصبح سياسي ومتعلم ولكنه يحن الى ضفاف الانهار ولقاء الحبيب في ليلة الوداع وعلى ضوء القمر اويعبر عن مشاعره اتجاه التمييز الطبقي وغير ذلك من المسميات , نطلب من الاخ نعيم عبدمهلهل ان يطل علينا في شبابيك مابين الحين والاخر فسوف يجد ان قراء شبابيك يودون قرائة نتاجاته الادبيه لان كتابته هي جزء من ماضينا وتراثنا .

اترك رداً